Yahoo!

تونس من الاستقلال الأعرج إلى الثّورة المبتورة: حتى لا يعيد التاريخ نفسه

كتبها المبروك المنصوري ، في 18 يناير 2011 الساعة: 07:48 ص

عندما تترك جامع الزّيتونة خلفك وتخرج من مدينة تونس العتيقة يصادفك مباشرة تمثال ابن خلدون في وسط شارع الحبيب بورقيبة. يقع التّمثال في الوسط بالضبط بين سفارة فرنسا يمينا والكنيسة يسارا. وفي ذات الشّارع توجد فنادق، بنوك، مركّبات تجاريّة فاخرة، ووزارة الدّاخليّة في آخر الشّارع على اليمين من جهة سفارة فرنسا، ووزارة السّياحة في آخر الشّارع على اليسار من جهة الكنيسة. وفي آخر الشّارع بما يشبه التّناظر مع تمثال ابن خلدون توجد ساعة تونس (ساعة 7 نوفمبر سابقا).  هذه المكوّنات الفسيفسائيّة المتناقضة تناقضا صارخا (جامع الزيتونة، ابن خلدون، سفارة فرنسا، الكنيسة، وزارة الدّاخليّة، وزارة السّياحة، شارع بورقيبة وساعة بن علي) هي تعبير معماريّ وثقافيّ وتاريخيّ عفويّ عن واقع تونس منذ الاستقلال الأعرج إلى ثورة الشّعب.

 

 تونس من الاستقلال الأعرج إلى ثورة الشّعب:

 هذا التّناقض الموجود في جملة هذه المكوّنات ما هو سوى تعبير عن التّناقض الصّارخ الّذي عاشته تونس في تاريخها الحديث. ولكي لا نغوص في التّاريخ كثيرا نقول إنّه بين اغتيال الزّعيم الوطني النّقابي فرحات حشّاد في 5 ديسمبر  1952 واغتيال الزّعيم الوطني السّياسي صالح بن يوسف في 2 جوان 1961 تمّت صياغة تاريخ وطنيّ مفكّك مليء بالمؤامرات والخيانات والنّفاق والاغتيالات والتّصفيات ولّد نمطا سياسيا وثقافيا واقتصاديا وفكريا يحافظ على المصالح الاستعماريّة في الفترة ما بعد الاستعماريّة عبر استمالة النّخب الوطنيّة وشحنها ماديّا وثقافيّا وفكريّا بعد تصفية النّخب الوطنيّة الحقيقيّة أو إقصائها أو تهجيرها.

ومن المعلوم اليوم أنّ الحركة الوطنيّة التّونسيّة قد ناضلت نضالا مريرا من أجل استقلال تونس ودفعت شهداء كُثرا. وبدأ المنعرج الحاسم في تاريخها مع بداية الحرب الباردة، تحديدا سنة 1948. منذ تلك السّنة أحسّت فرنسا أنّ الواقع سيتغيّر بكيفيّة أو بأخرى عاجلا أو آجلا. وبدأت تدرس الوضع بشكل معمّق وتبحث عن شخص مناسب لتسلّمه البلاد. وأُعلِن عن مفاوضات بداية من سنة 1950 لم تُتكشف كلّ تفاصيلها بعد، وحتّى ما كُشف منها فإنّه لم يُدرس بشكل دقيق ومعمّق من المؤرّخين التّونسيّين المعاصرين بسبب طابعهم البحثيّ المحافظ والمساير للخطّ العام للاتّجاه السّياسي في تونس، من جهة، وبسبب انعدام الدّراسات النّقديّة ما بعد الاستعماريّة في الثّقافة العربيّة المعاصرة من جهة أخرى. وقد كنت بيّنت ذلك في كتابي "الدّراسات الدّينيّة المعاصرة من المركزيّة الغربيّة إلى النّسبيّة الثّقافيّة". فليُنظر هناك[i].

وبعد أن بلغ التّفاوض بين تونس وفرنسا حول الاستقلال مراحل متقدّمة، وحشّاد مبدئيّا هو الزّعيم النّقابيّ الشّعبيّ الأكبر فإنّ إزاحته كانت ضروريّة لمواصلة الوجود الفرنسي في تونس بعد الاستعمار وتمّ تدبير اغتياله في قضيّة لم تُكشف كلّ تفاصيلها إلى اليوم. وحتى ما كُشف فإنّه لم يُضف جديدا ذا بال.

            وفي 29 مايو 1955 أُعلِن عن صياغة ملفّقة من استقلال شكليّ، وهي سبب التّخبّط والمخاض الّذي وقعت فيه تونس طول تاريخها الطّويل، لأنّ مشروع الاستقلال الفعليّ يكتمل بعد. كان الأمين العام للحزب الحر الدّستوري في تلك الفترة الزّعيم السّياسي الوطني صالح بن يوسف. وبما أنّه قد تمّ تدبير "الاستقلال بشكل استسلاميّ" حسب بعض المجاهدين والمناضلين أيّامها، وكان نصرا عظيما عند من تدثّر بدثار فرنسا وما حاكته من مؤامرة، فقد رفض صالح بن يوسف هذه الصّيغة من الاستقلال الشّكلي، بينما قبلها بورقيبة وعدد من العناصر داخل الحزب الدّستوري وأدّت إلى شقّ صفّ البلاد فيما يُشبه الحرب الأهليّة. ورفض الجناح الوطنيّ المناضل الاستسلام أو تسليم أسلحته باعتبار أنّ ما تمّ تدبيره من بعض العناصر الحزبيّة مع سلطة الاحتلال هو استسلام وليس استقلالا، وانّ الاستقلال الحقّ آت ولم تبق عنه سوى بضع خطوات وتخرج فرنسا بشكل نضاليّ من تونس. إلّا أنّ إرادة العناصر المدعومة من فرنسا انتصرت وتمّ الاتّفاق على استقلال أعرج تُحافظ فرنسا بموجبه على كافّة امتيازاتها في تونس. وقد رفضه كثير من المجاهدين فأُعدم عدد كبير منهم وتمّت ملاحقة بقيّتهم واحدا بعد آخر. ثمّ دبّر نظام بورقيبة اغتيال الزّعيم السّياسي الوطني صالح بن يوسف بعد أن رفض هذا الاستقلال الأعرج ولجأ إلى ألمانيا في 2 جوان 1961[ii].

وبعد أن استتبّ الجوّ للنّظام السّياسي الجديد في تونس واطمأنّت فرنسا على مصالحها الاقتصاديّة والثّقافيّة والسّياسيّة قرّرت الجلاء العسكريّ نهائّيا عن تونس من آخر مكان محتلّ وهو مدينة بنزرت. وبما أنّ النّاصريّة الثّوريّة كانت في تلك الأيّام في أوج عزّها، والثّورة الجزائريّة ذات المليون شهيد تشتعل والجبهة الدّاخليّة غير مستقرّة بعد، وقد بدا أنّ استقلال تونس كان استسلاما مُدبّرا أو استقلال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النسبية الثقافية وشروط التّحديث الفكري العربي: قراءة في كتاب المبروك المنصوري “الدراسات الدينية المعاصرة من المركزية الغربية إلى النسبية الثقافيّة”

كتبها المبروك المنصوري ، في 7 يناير 2011 الساعة: 11:16 ص

   
 
النسبيّـة الثـقافيّـة وشروط التحديث الفكري العربيّ


   عثمان صادق شريحة
    

النسبيّـة الثـقافيّـة  وشروط التديث الفكري العربيّ

 

إنّ أزمة الفكر العربي المعاصر هي في أبرز مستوياتها أزمة في المفاهيم التيّ تعدّ من الآلات الإدراكيّة والإجرائيّة المركزيّة في تحليل العلوم الإنسانيّة ومباشرة قضاياها ثقافيّها واجتماعيّها وسياسيّها واقتصاديّها ، فليس المفهوم إلاّ ضربًا من الفهم مخصوصًا للقضيّة ووجها من وجوه تمثّلها فتحليلها استقراء وتصوّرا واستنتاجًا .

    وقد لاذ بعض المفكّرين ـ وقد أُشكلتْ عليهم المفاهيم في بيئتها الغربيّة ـ بمقولة لسانيّة ردّوا بمقتضاها الأمر إلى عجز اللغة العربيّة عن استيعاب المفاهيم واستيعاب نظمها الدلاليّة ، فالعربيّة عند هشام جعيّط " فقيرة جدّا في كلّ ما هو مصطلحات في الفلسفة والعلوم الإنسانيّة التي انتشرت في الغرب لكثرة استعمالها وكثرة استيعابها " (1)، وعبّر محمد أركون عن نفس التصوّر بقوله :" إنّ مفاهيم خطاب وأسطورة وبنية لم يفكّر فيها بعد كما ينبغي في الفكر العربي المعاصر ولن تؤدّي المناقشة إلى أيّة نتيجة صالحة إذا تمسّك هذا الطّرف المذكور بأحكام فقه اللغة التقليدي والتاريخ الرّوائي" (2)

    بمثل هذه السطحيّة في التناول و التبسيط المخلّ بالعلميّة في الطرح والعجز عن استكناه حقيقة المفاهيم الغربيّة ومدى ملاءمتها للفضاء الإسلامي بشروطه الثقافيّة والحضاريّة ، لا غرابة أن يصير الفكر العربي المعاصر إلى أزمة شموليّة تعبّر عنها بكلّ وضوح أغلب الكتابات العربيّة التي توصف تجوّزًا بالأكاديميّة ، وينعت أصحابها بالتنويريين.

  ولم يمنع استفحال هذه الأزمة الفكريّة من بروز بعض الكتابات الجادّة التي تنمّ عن عمق في التناول ودقّة في الطرح ونجاعة في تحليل القضايا واستيعاب أبعادها المختلفة ، ومن أبرز هذه الدراسات التي تهيّأ لها النشر والانتشار أخيرًا كتاب الدكتور المبروك المنصوري(3) الموسوم بـ " الدراسات الدينيّة المعاصرة من المركزيّة الغربيّة إلى النسبيّة الثقافيّة "(4)

1/ كتاب الدراسات الدينية المعاصرة بنيةً وموضوعًا

     تطرّق الدكتور المنصوري في مستهلّ الكتاب إلى التحوّلات الجذريّة التي أثّرت تأثيرا مباشرًا وبالغًا في العلوم الإنسانيّة ومفاهيمها في الأوساط الأكاديميّة الغربيّة ، فدفعتها إلى مراجعة أنساقها التحليليّة وطرائق قراءتها للوقائع وتأصيل نظم معرفيّة بديلة ، وقد تمثّلت هذه التحوّلات في :

ـ أوّلا :أفول الدّاروينيّة وانهيار مرتكزاتها فأبعادها فتأثيرها في الأوساط العلميّة الغربيّة .

ـ ثانيًا : تنسيب المقاربات الباحثة في الظواهر الثقافيّة ، ذلك أنّ الاعتقاد بوجود حقيقة تاريخيّة مطلقة للظواهر الثقافيّة لا يعدو أن يكون وهمًا ، وكرّست الفلسفات ما بعد البنيويّة هذا الطرح واستثمرته في اشتغالها على الأنساق الفكريّة المختلفة.

ـ ثالثا: استتباعًا لما تقدّم ، تمّ إعادة النظر في المقاربات الوضعيّة الدينيّة.

ـ رابعًا : تحوّل مركز الثّقل في كتابة التاريخ من أوروبا إلى البلدان الآسيوية في المحيط الهادي من اليابان شمالا إلى استراليا جنوبًا .

1ـ 1 : القسم الأول : الاستشراق والمركزيّة الغربيّة : التحوّلات

1ـ 1ـ2 : الفصل الأول : الاستشراق وما بعد الحداثة : الغرب والفكر الآسيوي

       استثمر الدكتور المنصوري التحوّلات الصميميّة الآنف ذكرها  والتي مثّلت قطائع معرفيّة مع تقاليد البحث السائدة في العلوم الإنسانيّة  في تحليل العلاقة بين الغرب والفكر الآسيوي باحثًا في خصوصيات الاستشراق ما بعد الحداثوي ، فأشار إلى أنّ الدراسات الاستشراقيّة عرفت تحوّلات جذريّة في النصف الثاني من القرن العشرين وهو المعروف بعصر ما بعد الاستعمار ، إذ صاحب حركة الاستقلال الوطني في كثير من الدوّل وعي بأهميّة الفكاك من التبعيّة الثقافية للغرب وتأسيس نماذج وطنية قادرة على استيعاب مفاهيم الهويّة الثقافية والحضارية و مواجهة مخاطر الاستيلاب التي نزع الغرب إلى توطيدها وترسيخها إبّان  الحقبة الاستعماريّة في المجتمعات المستعمَرة مؤسساتٍ وأفرادًا ، كما أسهمت  التيارات الفلسفيّة ما بعد الحداثويّة في تعرية الاستشراق الغربي التقليدي والإطاحة بأغلب رؤاه السّاعية إلى تنميط الشرق وجعله مثاليّا روحيّا متوحّد الجوهر مطلق الحقيقة ثابت الماهيّة متعاليا "

    وما كان لحركة ما بعد الحداثوية أن تحقق ذلك لولا وعيها بالأزمة التي استفحلت في الفكر الحداثوي نفسه وعجزه عن تمثّل حقيقة المعرفة الإنسانيّة بما هي معرفة متشظية نسبيّة لا تثبت على حال في ضوء سرعة التغيّرات  التي تكتنف مقولات العلم والعقلانيّة .

    لقد تجاهلت الفلسفات الغربية لمدّة طويلة الفكر الشرقي واعتبرته هامشيّا نمطيّا يفتقد لإمكان الفعل والتأثير في حركة الفكر الكوني ، لذلك دأبت المرجعيّات الغربيّة على إقصاء الفكر الشرقي باعتبار عدم انتمائه للتراث الإغريقي الروماني .

   لكن هذا الوضع تغيّر جذريّا بعد الحقبة الاستعماريّة إذ كشفت العديد من الدراسات الغربية التقليديّة عن ضرب من المشاكلة والمشابهة بين الأسس التي قامت عليها تيّارات الفكر ما بعد الحداثوي الغربي والفكر الآسيوي القديم ، وهو ما انعكس بشكل واضح في الممارسات الغربيّة المؤسسيّة منها والفرديّة من خلال الإقبال على "التعاليم البوذيّة والطّاويّة والزينيّة وغيرها من الفلسفات الدينيّة الشرقيّة "(4) .وأشارت ذات المراجع إلى انسراب الفكر الآسيوي ونفاذه في أعمال الكثير من الفلاسفة الغربيين لعلّ من أبرزهم هايدغير الذي أفاد من أعمال سوزوكي عن الزينيّة (5)

   أمّا مظاهر الانسراب فلم تقتصر على مجال بعينه ، إنّما انسحبت على كثير من المجالات لعلّ أهمّها المستوى اللساني حيث بيّنت التحليلات أنّ مقولة التراكب في التصوّرات البشريّة وأثرها الحاسم في تظليل الأفهام الساعية إلى إدراك الظواهر المختلفة ـ وهي مقولة مركزيّة في التيار التفكيكي ما بعد الحداثوي ـ تجد صداها في الفكر الآسيوي وخاصّة مع مدرسة ماضيمكه التي ركّزت على كشف المقولات اللّغوية باعتبارها صناعة ثقافيّة .

   وأشار الدكتور المنصوري في سياق متّصل بأثر الفكر الآسيوي في الدّراسات الغربيّة إلى قضيّة تشظّي المعنى والعدميّة التي ارتبطت بها المدارس التفكيكيّة ما بعد الحداثويّة مبيّنًا أنّها ضرب من المماهاة مع صياغة المفكّر البوذي ناقارجنه رغم تباين النتائج المتحققة في المقاربتين ، فبين العدميّة التي كرّسها الفكر الغربي وإعادة بناء الذّات وتأصيلها في فكر ناقارجنه بون شاسع مشوّه لجوهر التصوّر وأنساقه .

    ويخلص المبروك المنصوري إلى مقاربة غاية في الدقّة والطرافة والجدّة في آن ، إذ كشف أنّ الفكر الغربي الذي صاغ تاريخًا راسخًا في بخس المرجعيات الفكرية غير المنضوية تحت لواء المركزيّة الغربيّة حقّها ما فتئ يسعى إلى الالتفاف على هذه الحقائق من خلال الادّعاء بأنّ الفكر الآسيوي لم يتهيّأ له تحقيق تحوّلات جذريّة والإسهام في الفكر الكوني إلاّ بعد التقائه بالفكر الغربي والنهل من معينه ، فكلّ ما حقّقه من نجاحات إنّما تعود إلى تكيّفه مع المركزيّة الغربيّة ، وهو تحليل استشراقي جديد مخادع ، أمّا المفكّرون الآسيويون فإنّهم تمكّنوا من قلب المعادلة وذلك باستثمار ما يرونه مفيدا من الأفكار الغربيّة في البيئة الآسيويّة ونبذ ما يهدّد هويّتهم الحضاريّة والثقافيّة .

    لقد أفضت هذه التحوّلات الجذريّة الحادثة على أكثر من مستوى وفي أكثر من جهة إلى أفول المركزيّة الغربيّة ونهاية الاستشراق الآسيويّ عمليّا خاصّة بعد انتقال مركز الثقل الاقتصادي والاجتماعي إلى الفضاء الآسيوي ، وبروز الفكر الآسيوي بوصفه ندًّا للفكر الغربي ، فأصبح محاورًا له مؤثّرا فيه وهو ما يفسّر انفتاح الغرب على ثقافة الآخر الآسيويّ و تفهّم خصوصياته بعيدًا عن النظرة الفوقيّة المتعالية التي طبعت تعاملاته لحقبة طويلة. فهل مسّت هذه التحوّلات الاستشراق المهتمّ بالثقافة العربيّة الإسلاميّة؟

1ـ1ـ3 : الاستشراق الجديد والدراسات القرآنيّة : الغرب والفكر الإسلاميّ في الألفيّة الثالثة.

   يختلف المجال الفكري الإسلامي عن المجال الفكري الاستشراقي سليل التراث اليهودي المسيحي اختلافاً نوعيّا ، وذلك على أكثر من صعيد ، فالإسلام  يقدّم نفسه بوصفه مفارقًا لليهوديّة والمسيحيّة بديلاً عنهما، متجاوزًا لهما  ، فهو دين نهائي خاتمٌ لعهود النبوّة، استوت فيه نظريّة الخلق وتحدّدت بمقتضاه العلاقة بين الخالق والمخلوق ، وتمكّن من تأسيس حضارة عظيمة على مجال جغرافيّ كونيّ ، فوعاه الغربيّون على أنّه مهدّد فعليّ لحضارتهم منذر بتلاشيها .

    والتبس الاستشراق الناظر في الحضارة الإسلاميّة بهذه المعطيات التي تخمّرت لأحقاب في الذهنيّة الغربيّة وكرّستها المرجعيّات اللاهوتية المختلفة ، لذلك شكّلت هذه المنطلقات مصادرةً على النتائج وصار الاستشراق إلى عملٍ دائريّ غاياته تحدّد منطلقاته ، فكانت غايته القصوى هدم المرتكزات التي قام عليها الإسلام وتقويض ثوابته ، لذلك لم تخرج الدراسات الاستشراقيّة من دائرة التشكيك في الإسلام واعتباره دينًا وضعيًّا أنشأه المتنبّئ محمد العربي موظّفًا التراث اليهودي والمسيحي الذي اطّلع عليه أثناء رحلته إلى الشام ، واعتبار القرآن نصًّا بشريًّا تاريخيّا نسجه خيال هذا المنبّئ وترك لأصحابه مهمّة صياغته النهائيّة ، وعَدِّ العبادات الإسلاميّة نسخة مستعادة من الطقوس اليهوديّة والمسيحيّة ، واعتبار العلوم الإسلاميّة ترجمات مشوّهة للتراث الإغريقي ، فليس الإسلام إذن إلاّ حركةً تاريخيّة شكّلتها الهمجيّة البدويّة العربيّة موظّفة سطوة السيف حاثّة على القتل والفتك.

      إنّ القرآن يمثّل جوهر الفكر الإسلامي ودعامته الرّئيسيّة والمنطلق الأسّ في تشكيل ثوابت الحضارة الإسلاميّة بمختلف أبعادها الدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة ، لذلك بات البحث في نظرة الاستشراق الجديد لهذا النصّ المؤسّس أمرًا ضروريّا للكشف عن خصائص هذا الاستشراق وضبط آليّاته المنهجيّة وتحديد سقوف فحصه للتراث الإسلامي ومدى استجابته لشروط الموضوعيّة والإنصاف .

    وأشار الدكتور المنصوري ـ في هذا الصّدد ـ إلى أنّ النظريات الاستشراقيّة في تعملها مع النصّ القرآني لم تفارق منهجيتين :

ـ المنهجيّة النقديّة التاريخية التي كرّستها أعمال الباحثين الألمان في عملهم على التوراة والإنجيل وما توصّلوا إليه من نتائج تقرّ بالطابع التاريخاني البشري لهذين الأثرين الدينيين بحكم طول فترة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب ” جدل الدين الإسلامي والعمران المغربيّ ” للدكتور المبروك المنصوري* : انفتاح البحث العلميّ العربيّ على العالميّة منهجًا ومضمونًا:بقلم عثمان صادق شريحة

كتبها المبروك المنصوري ، في 18 مايو 2010 الساعة: 14:35 م

كتاب " جدل الدين الإسلامي والعمران المغربيّ " للدكتور المبروك المنصوري* : انفتاح البحث العلميّ العربيّ على العالميّة منهجًا ومضمونًا

بقلم عثمان صادق شريحة

مقتبس من موقع الفلسفة، وهو صاحب الملكية الفكرية للمقال

صدر عن الدّار المتوسطية للنشر في شهر أبريل 2010 كتاب جديد للدكتور المبروك المنصوري بعنوان " جدل الدين الإسلامي والعمران المغربيّ " ، وقد تناول فيه قضيّة على غاية من الأهميّة باعتبار انفتاحها على مسائل معرفيّة ما فتئت تستقطب جهود الباحثين في أعرق الجامعات العالميّة ، إنّها قضيّة الجدل المستحكم بين الظاهرة العمرانيّة والدّين ، وعالج الدكتور المنصوري هذه القضيّة في إطار الفضاء المغربيّ بالنّظر إلى ما يطرحه من خصوصيّات عمرانيّة كثيرًا ما نفذت إلى السطح من خلال التفاعل مع التجربة الدينيّة .

إنّ الظاهرة العمرانيّة ـ وقد تنزّلت في سيرورة التاريخ ـ ليست ضربًا من التعاقب الذي يلغي فيه اللاحق منه السابق ، وينفي المتأخّر منه المتقدّم . إنّما هي ظاهرة محكومة بالتفاعل الحيويّ بين مكوّناتها تأثّرا وتأثيرا ، وهو ما يؤدّي إلى تشكيل مادّة العمران وفق بنيتين : ظاهرة سطحيّة لا يخطئها الدّارس المتعجّل وباطنة عميقة لا يقع عليها إلاّ الناظر بعين التحقيق .

تلك هي المصادرة التي انطلق منها المبروك المنصوري لدراسة أبعاد الجدل بين الدين والعمران المغربي موظّفا في ذلك ثلاثة مفاهيم أنثروبولوجيّة ، وهي الدين والعمران والجدل، أمّا الدين فهم من جواهر التصوّرات الإنسانيّة مادام باحثًا في مقاربة المطلق وجودًا ومصيرًا ، وأمّا العمران فهو نظام الوجود منزّلا في شروط الاجتماع الإنساني ، وليس الجدل حينئذ إلاّ ذلك التفاعل القائم بين الدّين والعمران ، فيصير بالاستتباع آليّة منتجة للأفكار محرّكة للتّاريخ .

ويقدّم الدكتور المنصوري مقاربة متميّزة لمفهوم العمران الخلدونيّ الذي تبنّته الكثير من الدّراسات المعاصرة باعتباره مفهومًا جامعًا قادرًا على استيعاب شتات التجربة الإنسانيّة في وجودها المادّي والمجرّد والمباشر والرّمزي ، فالفنون والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد والطقوس والنواميس تقع تحت طائلة هذا المفهوم الشمولي ، وهو ما دفع أبرز الدراسات الأنثروبولوجيّة الثقافيّة الأنقلوسكسونيّة إلى تبنّيه وإجرائه .

وتأتّى للباحث المنصوري ـ بفضل دقّة أدواته المنهجيّة ـ أن يكشف الإرباكات المعرفيّة التي وقعت فيها الدراسات الأنثروبولوجيّة الثقافيّة عندما راهنت على الدّاروينيّة الاجتماعيّة ، فقاربت ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

د. المبروك المنصوري: كتاب “جدل الدّين الإسلامي والعمران المغربي”. تونس، الدّار المتوسطية للنشر، 2010، 243 ص.

كتبها المبروك المنصوري ، في 29 أبريل 2010 الساعة: 16:21 م

فهرس الكتاب

مقدّمة…………………………………………….

الجدل الأوّل:

جدل التّنبّؤ المغربيّ و النّبوّة المحمّديّة………………..

1-          روافد التّنبّؤ…………………………………

1- 1- الروافد الدّينيّة السابقة للإسلام……………….

1- 2- الروافد الإسلاميّة………………………….

1- 2- 1- إشكالات الفتح الإسلاميّ………………..

1- 2- 2- التجارب الثورية………………………

1- 3- الروافد الاجتماعيّة………………………..

1- 3- 1- قبيلتا برغواطة وغمارة………………..

1- 3- 2- نسب صالح بن طريف متنبئ برغواطة….

1- 4- الروافد الكهنوتية…………………………

1- 4- 1- النبي والكاهن والساحر……………….

1- 4- 2- الشيطان والإخبار بالغيب…………….

1- 5- الروافد اللغوية………………………….

2-          بنية الدّين المحاكاتي………………………

2- 1- مستوى المحاكاة………………………..

2- 1- 1- الصّلاة وعبادة يــاكش…………….

2- 1- 2- الصّوم…………………………….

2- 1- 3- الزّكاة……………………………..

2- 1- 4- الحجّ………………………………

2- 2- مستوى التحريم…………………………

3-          النص الدّينيّ……………………………..

4-          تفسيرات ظاهرة التنبؤ…………………….

4- 1- التّفسيرات القديمة: الرّدّة والتّمذهب……….

4- 2- التّفسيرات الحديثة: القبليّة والعرقيّة……….

4- 3- التّفسيرات اليهوديّة والمسيحيّة…………..

الجدل الثاني:

جدل الدّين الإسلامي والثّقافة المغربيّة……………

1-          جدل الدّين واللّسان………………………

1- 1- في الاسم: الله أو ياكش…………………

1- 2- في معرفة الله…………………………

2-          جدل الدّين والطعام………………………

3-          جدل الدّين والجسد………………………

 

الجدل الثالث:

جدل الفكر الإسلاميّ والعمران المغربيّ

وأسس التّشريع للاجتهاد……………………….

1-          مقالة الظاهر في الاعتقاد…………………

2-          مقالة مراعاة أفهام الجماهير………………

 3- تأصيل الأصول والتشريع للاجتهاد…………..

 3- 1- المشروع الاجتهادي لابن حزم…………..

 3- 2- المشروع الاجتهادي لابن رشد…………..

    3- 3- المشروع الاجتهادي لأبي يعقوب الوارجلاني.

خاتمة……………………………………….

المصادر والمراجع……………………………

فهرس المواضيع……………………………..

 

مقتطف من المقدّمة

 

…يرتكز هذا البحث على ثلاثة مصطلحات مركزيّة ذات أبعاد أنثروبولوجيّة مترابطة هي الجدل والدّين والعمران. الدّين بصفته تصوّرا للكون والوجود والمصير على صفة مخصوصة. والعمران بصفته ترتيبا للوجود المُتصوَّر وفق شروط انتظام المجتمع. والجدل بصفته محرّكا للتّاريخ ومنتجا للأفكار.

وقطب هذه المصطلحات الثّلاثة هو مصطلح العمران. وهو مصطلح خلدونيّ اكتسب أبعادا أنثروبولوجيّة في كثير من الأبحاث العالميّة المعاصرة. ويمكن تعريف مصطلح العمران الخلدوني بأنّه مفهوم جامع يشمل الماديّ والمجرّد، والمباشر والرّمزيّ وكلّ الأنظمة الدّالّة في الوجود الإنسانيّ، أو هو "ذلك الكلّ المركّب complex whole  الذي يضمّ المعرفة والاعتقاد والفن والأخلاق والقانون والعرف وأيّة مؤهّلات أو عادات يتبنّاها الإنسان بصفته عضوا في مجتمع ما" مستعيرا هذا التّعريف الّذي ضبطه إدوارد تيلر Edward B. Tylor منذ سنة 1871، في كتابه "الثّقافة البدائيّة"[1]. ومثّل هذا التّعريف منطلقا تبنّاه باحثون كثر في علوم إنسانيّة مختلفة وتحوّل إلى مصادرة اختصّت بها الأنثروبولوجيا الثّقافيّة الأنـﭭلوسكسونيّة. ويرجع هذا الاختيار إلى سببين اثنين:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

د. المبروك المنصوري: كتاب “الدّراسات الدّينيّة المعاصرة من المركزيّة الغربيّة إلى النّسبيّة الثّقافيّة”. تونس، الدّار المتوسطية للنّشر، 2010، 211 ص.

كتبها المبروك المنصوري ، في 29 أبريل 2010 الساعة: 16:17 م

فهرس الكتاب

- الاستشراق والمركزيّة الغربيّة: التّحوّلات

 

1-  الاستشراق وما بعد الحداثة: الغرب والفكر الآسيوي

1- 1- الاستشراق ما بعد الاستعماري والنّقد ما بعد الحداثوي

1- 2- الفلسفات الشّرقيّة والفكر الغربي الحداثوي وما بعد الحداثوي

1- 3- أفول مقولة المركزيّة الغربيّة ونهاية الاستشراق

 

2- الاستشراق الجديد والدّراسات القرآنيّة: الغرب والفكر الإسلامي

2- 1- الاستشراق والدّرس الدّيني

2- 2- الاستشراق الاستعماري والدّراسات القرآنيّة

2- 3- فرضيّات الاستشراق الجديد: القراءة السّريانيّة الآراميّة للقرآن نموذجا

2- 4- مضمون القراءة السّريانيّة الآراميّة للقرآن

2- 5- أثر القراءة السّريانيّة الآراميّة للقرآن

2- 6- دراسات قرآنيّة أم استشراق جديد

 

 

 

 

- من المركزيّة الغربيّة  إلى النّسبيّة الثّقافيّة: المفاهيم

 

1- الهويّة والقيم الدّينيّة في التّجربتين التّحديثيّتين اليابانيّة والعربيّة: الشّنتو والإسلام

1- 1- تحديدات أوّليّة

1- 2- الدّين والنّظريّة السّياسيّة الحديثة

1- 3- القيم الدّينيّة والتّحديث أو التّغريب

1- 4- الهويّة والقيم الدّينيّة في المجتمع المعاصر

1- 5- الصّحوة الدّينيّة العالميّة المعاصرة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التّأسيس الفاتح

كتبها المبروك المنصوري ، في 17 نوفمبر 2009 الساعة: 21:50 م

تأسيسا للفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر في مصافه الكونيّ والإنسانيّ العامّ استنادا إلى أصول الدّين وركائز الفكر عبر تحيين دور المسلم اليوم وتفعيله تفكيرا وإنتاجا في كافّة أصناف المعرفة البشريّة……..

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb